ابن كثير
150
البداية والنهاية
الدين بن الصلاح الشهرزوري الشافعي في المدرسة الجوانية في جانب المارستان في جمادى الأولى منها . وفيها درس الناصر ابن الحنبلي بالصالحية بسفح قاسيون التي أنشأتها الخاتون ربيعة خاتون بنت أيوب أخت ست الشام . وفيها حبس الملك الأشرف الشيخ علي الحريري بقلعة عزتا . وفيها كان غلاء شديد بديار مصر وبلاد الشام وحلب والجزيرة بسبب قلة المياه السماوية والأرضية ، فكانت هذه السنة كما قال الله تعالى ( ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) [ البقرة : 155 ] وذكر ابن الأثير كلاما طويلا مضمونه ( 1 ) خروج طائفة من التتار مرة أخرى من بلاد ما وراء النهر ، وكان سبب قدومهم هذه السنة أن الإسماعيلية كتبوا إليهم يخبرونهم بضعف أمر جلال الدين بن خوارزم شاه ، وأنه قد عادى جميع الملوك حوله حتى الخليفة ، وأنه قد كسره الأشرف بن العادل مرتين ، وكان جلال الدين قد ظهرت منه أفعال ناقصة تدل على قلة عقله ، وذلك أنه توفي له غلام خصي يقال له : قلج ، وكان يحبه ، فوجد عليه وجدا عظيما بحيث إنه أمر الامراء أن يمشوا بجنازته فمشوا فراسخ ، وأمر أهل البلد أن يخرجوا بحزن وتعداد عليه فتوانى بعضهم في ذلك فهم بقتلهم حتى تشفع فيهم بعض الامراء ثم لم يسمح بدفن قلج فكان يحمل معه بمحفة ، وكلما أحضر بين يديه طعام يقول احملوا هذا إلى قلج فقال له بعضهم : أيها الملك إن قلج قد مات ، فأمر بقتله فقتل ، فكانوا بعد ذلك يقولون : قبله وهو يقبل الأرض ، ويقول هو الآن أصلح مما كان - يعني أنه مريض وليس بميت - فيجد الملك بذلك راحة من قلة عقله ودينه قبحه الله . فلما جاءت التتار اشتغل بهم وأمر بدفن قلج وهرب من بين أيديهم وامتلأ قلبه خوفا منهم ، وكان كلما سار من قطر لحقوه إليه وخربوا ما اجتازوا به من الأقاليم والبلدان حتى انتهوا إلى الجزيرة وجاوزوها إلى سنجار وماردين وآمد ، يفسدون ما قدروا عليه قتلا ونهبا وأسرا ، وتمزق شمل جلال الدين وتفرق عنه جيشه ، فصاروا شذر مذر ، وبدلوا بالأمن خوفا ، وبالعز ذلا ، وبالاجتماع تفريقا ، فسبحان من بيده الملك لا إله إلا هو . وانقطع خبر جلال الدين فلا يدرى أين سلك ، ولا أين ذهب ، وتمكنت التتار من الناس في سائر البلاد لا يجدون من يمنعهم ولا من يردعهم ، وألقى الله تعالى الوهن والضعف في قلوب الناس منهم ، كانوا كثيرا يقتلون الناس فيقول المسلم : لا بالله ، لا بالله ، فكانوا يلعبون على الخيل ويغنون ويحاكون الناس لا بالله لا بالله ، وهذه طامة عظمي وداهية كبرى ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وحج الناس في هذه السنة من الشام وكان ممن حج فيها الشيخ تقي الدين أبو عمر بن الصلاح ، ثم لم يحج الناس بعد هذه السنة أيضا لكثرة الحروب والخوف من التتار والفرنج ، فإنا
--> ( 1 ) تاريخ ابن الأثير 12 / 495 .